عبد الحليم عبقرية الإحساس


لم يكن عبدالحليم حافظ يغني بصوته بل كان يشدو بقلبه.. ولم تكن عبقرية عبد الحليم عبقرية صوت جميل فقط بل عبقرية إحساس صادق.. وإذا طبقنا مقاييس الأصوات الجميلة فسوف يحتل عبدالحليم حافظ مكانا معقولا ولكنه لايصل إلي درجة الإعجاز الصوتي مثل أم كلثوم وعبدالوهاب ولكن إعجاز عبد الحليم الحقيقي كان في هذا الإحساس العميق الذي يتسلل الي قلوب الملايين ويشعر كل واحد منهم أن عبدالحليم يغني له وحده..

عرفت عبدالحليم حافظ في سنواته الأخيرة واكتشفت من المقابلة الأولي إنني أمام إنسان يتمتع بدرجة كبيرة من الذكاء.. ذهبت إليه مع الراحل الصديق كمال الملاخ كان عبدالحليم يومها مريضا ألقي نفسه في غرفة نومه شاحبا حزينا.. ولن أنسي أن طبيبه الخاص أعطاه يومها أمامنا 12 حقنة مرة واحدة.. وكانت بجواره صينية صغيرة عليها طعام لاتعرف ملامحه فقد تحول الي سائل غريب.. جلست أقرأ قصائدي أمام عبدالحليم لكي نختار منها قصيدة واحدة يغنيها.. وبعد أن انتهيت قلت له هناك قصائد أخري لا تصلح للغناء فقال نسمعها..

وقرأت له قصيدة أخري وبعد أن انتهيت منها قال.. كل الذي سمعته من قبل قصائد غناها آخرون قبلي أما القصيدة الاخيرة فهي شيء جديد لم أسمعه من قبل.. كانت قصيدة عندما ننتظر القطار من ديواني 'حبيبتي لا ترحلي'وأختار حليم هذه القصيدة وأرسلها الي موسيقارنا العظيم محمدعبدالوهاب.. وذات ليلة كنت أتحدث مع عبدالحليم عن القصيدة وقلت له إن عبد الوهاب يريد تغيير النهاية.. كانت القصيدة تحكي قصة وداع بين حبيبين فقد سافرت الحبيبة علي وعد باللقاء ولكنها لم تعد.. ومضي ربيع وجاء ربيع والحبيبة المسافرة لاتعود..

وذات يوم ذهب الحبيب ينتظرها علي محطة القطار ولكنها لم تعد.. كان رأي عبدالحليم أنه لايوجد شيء ذهب وعاد. فلا الحب يعود. ولا العمر يعود ولا الصحة تعود. ويومها حسم الموقف وقال لن أغير شيئا في القصيدة.. قلت إن الاستاذ / عبد الوهاب يريد نهاية سعيدة بحيث يرجع الحبيبان.. فقال لاتغير شيئا وإذا كان هذا هو رأي الاستاذ عبد الوهاب فسوف أعطيها للموجي..

أخذ عبدالحليم من عبدالوهاب الذكاء.. والعلاقات العامة والقدرة علي التعامل مع الآخرين ولهذا استطاع أن يستقطب كل أصدقاء عبدالوهاب الكبار كامل الشناوي ومصطفي أمين وهيكل وأنيس منصور وكل هذه النخبة من أصحاب القلم.. وكان من حظ عبدالحليم أنه واكب أحداث ثورة يوليو وترجم الكثير من مواقفها غناء وفنا ولهذا لعبت السياسة دورا كبيرا في حياته ففد كان صوتا من أصواتها المؤثرة في ملايين المواطنين..

وفي تقديري أن عبدالحليم سوف يعيش زمنا طويلا بإحساسه الصادق لأن الاحساس عملة نادرة في زمان الزيف والقبح ويستطيع أن يفرض نفسه علي أذواق ومشاعرالناس..

هناك أصوات جميلة ولكنها لاتملك الإحساس وهناك أصوات قوية لاتملك التاثير وليس هذا في الغناء وحده ولكن في أشياء كثيرة في حياتنا هناك نهر صغير ربما تجاوز الأنهار الضخمة في دوره وعطاءه وهناك كوخ صغير أجمل من كل ناطحات السحاب وهناك عصفور صغير يغني ويملأ الدنيا بالجمال. وهناك زهرة صغيرة يفوح عطرها في كل مكان..

وهكذا كان عبدالحليم حافظ الوجه الشاحب والجسد الهزيل والصوت المتدفق مثل مياه النهر لانعرف كم من الازهار والاشجار والحدائق قد روي.. أنه يتسرب في كل شيء مثل الدماء التي تسري في العروق وتمنحنا النبض والحياة ونغمة جميلة شاردة طافت يوما في حياتنا فأسعدتنا وغنينا معها وانتشينا بها وسوف تغني معها الملايين من الأجيال القادمة لأن الصدق لايموت والمشاعر ليس لها زمان.. والحب لايعرف أعمار البشر.