عبدالحليم.. مغنيا وممثلا


بقلم : د.رفيق الصبان - مجلة النجوم

كان الحلم الأخير الذي يداعب خيال عبدالحليم قبل رحيله.. هي أن يمثل فيلما لا يغني فيه خصوصا بعد أن وصل إلي أقصي مراحل (غنائه التمثيلي) في فيلم 'أبي فوق الشجرة' وأسوة بالمغني الأمريكي الشهير فرانك سيناترا الذي حقق نجومية في التمثيل تعادل أحيانا نجوميته في الغناء الذي وصل إلي درجة ترشيحه حتي للفوز بجائزة أوسكار عن أدائه فيلم 'من هنا وحتي الأبد'.. وقد حاول عبدالحليم فعلا أن يخطو الخطوات الأولي لتحقيق حلمه هذا.. واختار قصة مصطفي السيد 'لا' ليظهر فيها ممثلا فقط.. داخلا بقوة دائرة التحدي لدي جمهوره.. ولكن 'الموت' كان له بالمرصاد.. ورحل عبدالحليم عن عالمنا دون أن يحقق حلمه الكبير هذا.. الذي لا نعرف حتي الآن.. كيف سيكون وقعه علي جمهوره الذي اعتاد علي رؤيته ممثلا ومغنيا معا.

والحقيقة أن تواجد عبدالحليم كممثل و'كاريزما' حضوره قد تجلت بوضوح في أول أفلامه 'أيامنا الحلوة' والذي ظهر فيه في دور مساعد لفاتن حمامة وعمر الشريف وكانا في أوج شهرتهما وشعبيتهما.. إلي جانب أحمد رمزي الذي اشتهر في ذلك الحين بشقاوته وحضوره الجميل.. ورغم هذا التنافس الذي يصعب علي ممثل في أول الطريق اجتيازه بنجاح.. فما بالنا بمغني شاب.. لم يحقق بعد في ذلك الحين جماهيرية كبيرة بالغناء.. ناهيك بالتمثيل، ورغم ذلك نجح عبدالحليم ممثلا في هذا الفيلم الجميل الذي كان نسخة رومانسية في عصر 'الحب' الذهبي في السينما المصرية.

حليم بجسده النحيل.. ووجهه الشاحب وبطريقة أدائه العفوية البسيطة التي تقرب إلي السذاجة وبصوته الدافئ العميق استطاع أن يغزو القلوب مرة واحدة.. بحضور مميز.. يختلف جذريا عن حضور جميع الممثلين والمطربين الآخرين الذين وصلوا إلي أعلي سلم الشهرة كفريد الأطرش ومحمد فوزي وغيرهما.

وإذا كان حليم في 'أيامنا الحلوة' قد اكتفي بوجود هامشي جعله من خلال شخصيته المميزة وجودا رئيسيا فإن فيلمه الثاني 'لحن الوفاء' والذي عرض تجاريا قبل 'أيامنا الحلوة' كرسه نجما أولا.. بلا منازع.. يتبوأ مكانة خاصة بين الممثلين والمطربين الذين أضاءوا هذه الفترة من فترات السينما المصرية التي اعتدنا أن نسميها الآن ب'الفترة الذهبية' حينما كانت الأفلام الغنائية تحتل مكانة مميزة في الإنتاج السنوي لهذه السينما.. إلي جانب الإنتاج الرومانسي أو الميلودرامي السائد بقوة آنذاك.

ورغم الأفلام الغنائية التي مثلها عبدالحليم والتي تتابعت بكثرة بعد النجاح الذي حققه في فيلميه الأولين ورغم شيوع وجمال الأغاني التي أنشدها في هذه الأفلام (خصوصا في الأفلام التي أنتجها له عبدالوهاب ولحن له فيها جميع أغنياته).. فإن حضور حليم التمثيلي كان واضحا ومميزا.. حتي عندما وقف وقفة البطولة هذه المرة أمام فاتن حمامة نفسها في 'موعد غرام'.

وإذا كان حسن الإمام قد حاول أن يجعله ممثلا ميلودراميا في 'الخطايا' فإن عبدالحليم استطاع أن ينجو بنفسه من قبضة عملاق الميلودراما.. وأن يقدم علي طريقته دورا أراده المخرج أن يكون مليئا بالدموع والصراخ والآهات وحوله عبدالحليم بعفوية وبساطة إلي دور مليء بالرقة والعذرية عن شاب يكتشف فجأة أن الجذور التي عاش عليها حتي الآن هي جذور مزيفة وأن الأسرة التي عاش حياته كلها معها.. أسرة غريبة عنه وعليه أن يضحي بحبه الكبير كي يرد الدين لها.

تمرد عبدالحليم علي قواعد الميلودراما التي جعلها حسن الإمام راسخة في أسلوبه وحولها إلي مصلحته وما علينا إلا أن نذكر مشهد الصفعة الشهير التي وجهها سراج منير إليه والتي حولها عبدالحليم برقة شديدة وذكاء.. إلي مشهد عاطفي يقطر شجنا.. دون أن يرفع الصوت أو يقسو في تعابير وجهه أو يبالغ في ردود فعله.

وكما فعل حليم ممثلا في فيلم 'الخطايا' استطاع ولكن دون نجاح كبير هذه المرة أن يتخلص من تأثير محمد كريم، الذي أراد أن يجعله 'عبدالوهاب' آخر.

كريم الذي أخرج جميع الأفلام التي ظهر فيها عبدالوهاب دون استثناء حاول أن يطبق علي عبدالحليم القواعد نفسها التي طبقها علي مطرب الملوك والأمراء، ولكن عبدالحليم تمرد عليه وقدم أداء يختلف اختلافا بينا عن الأداء الذي يصبو إليه كريم، وحاول أن يضيف إلي سهمه التمثيلي سهما جديدا.. لم يوفق فيه تماما.. ولكنه بالمقابل لم يفشل ويخسر أوراقه.

الذروة التمثيلية الكبري في مسيرة جاءت عن طريق مخرجين اشتهروا بطريقة تحريكهم للفنان الذي يقف أمامهم.. مغنيا كان أم ممثلا.

عزالدين ذوالفقار في 'شارع الحب'، وحسين كمال في 'أبي فوق الشجرة'.. في 'شارع الحب' يلعب عبدالحليم دورا مركبا.. تختلط فيه الدراما بالكوميديا. فهو يتنكر في زي أستاذ كهل متزمت.. تحاول صباح الإيقاع به نتيجة رهان بينها وبين إحدي زميلاتها، ولكن لعبة الحب.. تتطور لتصبح حبا حقيقيا يجمع به فتاة ارستقراطية مدللة.. وبين فنان له كبرياءه وكرامته.

رغم تعقد الدور.. نجح حليم في أدائه وإعطائه مسحة رومانسية أبعدته تماما عن الكوميديا الزاعقة التي كان يمكن لأداء مختلف أن يوقعه فيها.

كذلك الحال مع حسين كمال في 'أبي فوق الشجرة' قصة إحسان عبدالقدوس التي تصور سقوط فتي مراهق في حب غانية.. يحاول والده انقاذه منها فيسقط هو الآخر في حبائل غانية أخري مما يفيق الشاب من غفوته.

تحت أنامل حسين كمال.. بزغ نجم 'حليم' الممثل أكثر من أي فيلم آخر.. رغم جمال الأغنيات التي أنشدها في الفيلم والتي ربما كانت أجمل مما غناه.. ورغم أن سن دور الذي لعبه حليم في الفيلم لم يكن متناسبا مع سنه الحقيقي.. ومع ذلك استطاع حسين كمال أن يجعل حليم في هذا الفيلم ممثلا حقيقيا.. وأن يخلق لديه الرغبة بالظهور كممثل فقط في الفيلم الذي سيليه، بعد أن حقق في هذا الفيلم كمغني أقصي ما يحلم به في ميدان الغناء.

أين تكمن بالضبط قدرة حليم التمثيلية.. إنها ببساطة قدرته علي أن يكون 'هو' بتلقائية مدهشة ودون أن تكنيك تمثيلي أو اصطناع عاططفي.

إنه بوجهه المصري الصميم.. وبتعبيراته اللغوية، وبالشجن الذي يميز طبقات صوته استطاع أن يحطم الجدار البارد الذي يفصله عن جماهيره.. وان يصبح جزءا من أحلامهم وأمانيهم.

هذا الفتي ضئيل الجسم.. ذو الوجه النحيل، والنبرات الشاحبة استطاع أن يفرض نفسه فارسا للغناء، وفارسا للقلوب معا وأن يقنعنا تارة بدفء صوته وتارة أخري بعفوية تعبيره في جميع الشخصيات التي لعبها في أفلامه رغم تنوعها واختلافها.. ولكنها كانت كلها روافد صغيرة تصب في مجري نهره الكبير العاطفي الذي جسد فيه شخصية غالبية الشبان المصريين الذين يحبون ويحلمون وينجحون ويحطمون الحواجز التي تقف في طريقهم ويفوزون بقلب الحسناء التي راودتهم طويلا.

الغناء لدي عبدالحليم.. امتزج امتزاجا كليا بالأداء ليصبحا جزءا واحدا في مسيرة فنية انقلبت آخر الأمر إلي أسطورة.ولا مجال لمقارنة أداء عبدالحليم بأداء أي مطربممثل آخرمن جيله أو من الجيل الذي سبقه، لأن حليم وهذه معجزته الخاصة.. استطاع أن يكون نموذجا فريدا ومختلفا للممثل والمطرب وأن يقدم في هذا المجال أجمل الأفلام الغنائية التي عرفناها بين سنوات الخمسين والسبعين.

وهذا لوحده يشكل رصيدا ضخما يضاف إلي رصيد هذا الفنان الكبير الذي رحل عنه.. ولم يرحل حقا عنا.